مقدمه
كانت خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها من المحسنات اللواتي ظهرتْ نجابتُهنّ منذ عهدٍ بعيد، فهي شريفة قريش، "وأم المؤمنين وزوج النبي - صلى الله عليه وسـلم - ، وهي أول امرأة تزوجها، وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين لم يتقدمها رجـــل ولا امـــرأة" وقد لُقِّبت في الجاهليـــة بـ ( الطـاهـرة ) ، وعــُرفت بالسيرة الكريمة، فكان أن اختارتها العنايةُ الربّانيّة لتكون زوجةً بارَّةً مخلصة لخاتم الأنبياء والمرسلين، محمّدٍ صلّى الله عليه وسلم.
والسيدة خديجة رضي الله عنها هي خديجة بنت خويلد بن أسدٍ بن عبد العزَّى بن قصي من الذؤابة، وأمها فاطمة بنت زائدة بنت جندب، ولدت بمكة (68 ق.هـ/ 3ق.هـ)، وكانت من أعرق بيوت قريشٍ نسباً، وحسباً، وشرفـاً، وقد نشــأت على التخلق بالأخـلاق الحميدة، وكـان من صفاتها الحزم والعقل والعفة، يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلَّم في الجد الخامس، فهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي
بداية التعارف
كانت السيدة خديجة امرأة تاجرة ذات شرف و مال ، فلمّا بلغها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدق حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه ، بعثت إليه فعرضـت عليه أن يخرج في مالٍ لها الى الشام تاجراً ، وتعطيـه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجـار ، مع غلام لها يقال له مَيْسَـرة ، فقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخرج في مالها ومعه غلامها ميسرة حتى قَدِم الشام000 وفي الطريق نزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان فسأل الراهب ميسرة ( من هذا الرجل ؟)000 فأجابه ( رجل من قريش من أهل الحرم )000فقال الراهب )ما نزل تحت هذه الشجرة قطٌ إلا نبي )000
ثم وصلا الشام وباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد ، ثم أقبل قافلاً الى مكـة ومعـه ميسـرة ، فكان ميسـرة إذا كانت الهـاجـرة واشتـدَّ الحـرّ يرى مَلَكين يُظلاَّنه -صلى الله عليه وسلم- من الشمس وهو يسير على بعيره 000 ولمّا قدم -صلى الله عليه وسلم- مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فربحت ما يقارب الضعف000
وأخبرها ميسرة عن كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وصفاتــه المتميـزة التي وجدهـا فيـه أثنـاء الرحلة، فرغبت في الزواج منه، - فبعثت الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت له ( يا ابن عمّ ! إني قد رَغبْتُ فيك لقرابتك ، وشرفك في قومك وأمانتك ، وحُسْنِ خُلقِك ، وصِدْقِ حديثك ) 000 ثم عرضت عليه نفسها ، فذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم- ( ذلك لعمّه الحبيب الذي سُرَّ وقال له إن هذا رزقٌ ساقهُ الله تعالى إليك ) 000 و وصل الخبر الى عم السيدة خديجة ، فأرسل الى رؤساء مُضَر ، وكبراءِ مكة وأشرافها لحضور عقد الزواج المبارك ، فكان وكيل السيدة خديجه عمّها عمرو بن أسد ، وشركه ابن عمها ورقة بن نوفل ، ووكيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عمّه أبو طالب000
وكان أول المتكلمين أبو طالب فقــال ( الحمد لله الذي جعلنا من ذريّـة إبراهيم ، وزرع إسماعيل وضئضئ معد ، وعنصـر مضـر ، وجعلنا حضنة بيته ، وسُوّاس حرمه ، وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً ، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم إن ابن أخي هذا ، محمد بن عبد الله لا يوزن برجلٍ إلا رجح به ، وإن كان في المال قِلاّ ، فإن المال ظِلّ زائل ، وأمر حائل ، ومحمد مَنْ قد عرفتم قرابته ، وقد خطب خديجة بنت خويلد ، وقد بذل لها من الصداق ما آجله وعاجله اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونشاً -أي نصف أوقية- وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطر جليل )000
ثم وقف ورقة بن نوفل فخطب قائلا ( الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ، وفضلنا على ما عددت ، فنحن سادة العرب وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ، ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم ولا شرفكم ، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم ، فاشهدوا يا معشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله )000
كما تكلم عمُّهـا عمرو بن أسـد فقال اشهدوا عليّ يا معاشـر قريـش أنّي قد أنكحـت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد )000وشهـد على ذلك صناديـد قريـش000
وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي، وعاشت معــه خمسـاً وعشـرين سنـة، رُبع قرن، فقد بدأ معها في الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هي في الأربعين، وظلا معا إلى أن توفاها الله وهي في الخامسة والستين، وكان عمره - صلى الله عليه وسلم - في الخمسيـن، وهي أطول فترة أمضاها النبي مع هذه الزوجـة الطـاهـرة مـن بين زوجاته جميعا، وهي وإن كانت في سن أمه - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كانت أقــرب الزوجات إليه، فلم يتزوج عليها غيرها طيلة حياتها،
الذرية الصالحة
تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - السيدة خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة ، وولدت السيدة خديجة للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولده كلهم إلا إبراهيم ، القاسم -وبه كان يكنى- ، والطاهر والطيب -لقبان لعبد الله - ، وزينب ، ورقيـة ، وأم كلثـوم ، وفاطمـة عليهم السلام 000 فأما القاسـم وعبد اللـه فهلكوا في الجاهلية ، وأما بناتـه فكلهـن أدركـن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه -صلى الله عليه وسلم-000
إسلامها
كــانت خديجــة رضي الله عنهـا قـد ألقـى الله في قلبهـا صفـاء الـــروح ونـور الإيمـان و الاستعداد لتقبل الحق، فحين نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غــار حراء (اقرأ باسم ربك الذي خلق) رجــع تـرجف بوادره وضلـوعه حتى دخـل على خديجـة فقـال : زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
وهنــا قـال لخديجـة : "أي خديجـة، ما لي لقد خشيت على نفسي"، وأخبرها الخبر، فردت عليه خديجة بما يطيب من خاطره ويهدأ من روعه فقالت: "كلا أبشر، فـوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصـل الرحم ، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، و تعين على نوائب الحق".
ثم انطلقت به رضي الله عنها حتى أتت به ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العــربي ويكتب من الإنجيـل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي.
فقالت خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك.
قال ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.
فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا ذكر حرفا.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "أو مخرجي هم؟".
قــال ورقــة: نعــم، لـم يأت رجـل بمـا جئت به إلا أوذي، وإن يدركنى يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا. ثم أرادت رضي الله عنها أن تتيقن وتتثبت مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرغم أنها تعلم أنه حق، وقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا.. إلا أنها أرادت اليقين كما قال إبراهيم لربه عز وجل: (بلى ولكن ليطمئن قلبي)، قال ابن إسحاق: وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير: أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا ابن عم، هل تستطيع أن تخبرني بصــاحبك الذي يأتيك إذا جـاءك ؟ قـال: نعم، فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندها إذ جاءه جبريل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا جبريل قد جاءني، فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم، قالت: اجلس على شقي الأيسر، فجلس فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعـم، قــالت: فـاجلس على شقي الأيمن ، فجلـس فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قال: فتحسرت وألقت خمارها فقالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: ما هذا شيطان، إن هذا لملك يا ابن عم، اثبت وأبشر، ثم آمنت به وشهدت أن الذي جاء به الحق. (
وعن ابن إسحاق أيضا قال: وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا يسمع شيئا يكرهـه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها تثبتــه وتخفف عنـه وتصدقـه وتهون عليه أمر الناس رضي الله عنها. وعن أول إسلامها يحكي يحيى بن عفيف عن عفيف فيقول: جئت في الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب فلما ارتفعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل القبلة فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفها، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجد معه.
فقلت: يا عباس، أمر عظيم! فقال لي: أتدري من هذا الشاب؟ فقلت: لا، فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، هذا بن أخي، وقال: تدري من هذا الغلام؟ فقلت: لا، قال: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، هذا بن أخي، هل تدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا، قال: هذه خديجة ابنة خويلد زوجة بن أخي، هذا حدثني أن ربك رب السماوات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا والله ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
خديجة..العفيفة الطاهرة
كان أول ما يبرز من ملامح السيدة خديجة رضي الله عنها الشخصية صفتي العفة والطهارة، هــاتان الصفتـان التي قلما تسمع عن مثلهما في بيئـة لا تعرف حراما ولا حلال .. في بيئة تفشت فيها الفاحشة حتى كان البغايــا يضعن شـارات حمراء تنبئ بمكانهن .. في بيئة جاهلية ويكفي ما تحويه هذه الصفة وما تعبر عنه ...
وفي ذات هـذه البيئــة ومن بين نسائهـا انتزعت هذه المرأة العظيـمـة هـــذا اللقب الشـريف ولقبت بـ"الطاهرة"، كما لقب صلى الله عليه وسلم أيضا في ذات البيئة بـ"الصادق الأمين" ولو كان لهذه الألقاب سمع أو انتشار في هذا المجتمع آنذاك لما كان لذكرها ونسبتها لأشخاص بعينهم أهمية تذكر.
خديجة.. الحكيمة العاقلة..
وتلك هي السمـة الثانيـة أو الملمـح الآخـر الذي تميـز بـه شخص السيدة خديجـة رضي الله عنها، فكل المصادر التي تكلمت عن السيدة خديجة رضي اله عنها وصفتها بـ "الحزم والعقل"، كيف لا وقد تجلت مظاهر حكمتهـا وعقلانيتهـا منذ أن استعـانت بـه - صلى الله عليه وسلم - في أمور تجارتها، وكانت قد عرفت عنه الصدق والأمانة.
ثم كان ما جاء في أبلغ صور الحكمة وذلك حينما فكرت في الزواج منه صلى الله عليه وسلم، بل وحينما عرضت الزواج عليه في صورة تحفظ ماء الوجه؛ حيث أرسلت السيدة نفيسة بنت منية دسيسا عليه بعد أن رجع من الشام ، ليظهر وكأنه هو الذي أرادها وطلب منها أن يتزوجها.
وكونها رضي الله عنها من أوسـط قـريش نسبـا، وأكثـرهم مـالا، وكان كـل قـومهـا حريصا على الزواج منها، وكان منهم من قد طلبها وبذل لها الأموال.. ثم هي ترفض كل ذلك، وليس هذا فقط بل ترغب في الزواج وممن ؟ من محمد، ذلك الفقير .. المسكين .. اليتيم.. المعدم!! وهذا في حد ذاته عين الحكمة.
فلم تكن خديجة رضي الله عنها مراهقة حتى يقال أنها شغفت به، بل كانت آنذاك في الأربعين من عمرها، وهو مبلغ العقل والحكمة في الرجال والنساء، ولم تكن خديجة رضي الله عنها تعرفه منذ زمن بعيد حتى يقـال أنها ألفتـه أو كانت تعرفـه عـن قـرب، فإن بعثة تجارة الشام الوحيدة وحكاية ميسرة عنه هي التي عرفتها به.
ثم هي وبعد الزواج نرى منها كمال الحكمة وكمال رجـاحـة العقل ، فهـا هي تستقبل أمر الوحي الأول بعقلانية قل أن نجدها في مثل هذه الأحوال بالذات؛ فقد رفضت أن تفسر الأمر بخزعبلات أو أوهام، بل استنتجت بعقليتها الفذة وحكمتهـا التي نـاطحت السحـاب يـوم ذاك أن الله لن يخزيه، لماذا يا خديجة؟ وكيف استنتجتي ذلك..؟ فكان الجواب:
إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.. إذ إن من وفقه الله لمثل ذلك وتخلق بمثل هذه الأخلاق - في رأيها - فلن يخزيه الله أبدًا ثم أخذته إلى ورقـة بـن نـوفـل ليدركـا الأمـر، وهـذه طريقـة عقلانيـة منطقيـة بدأت بالمقدمات وانتهت بالنتائج المترتبة على هذه المقدمات، فيالها من عاقلة، ويالها من حكيمة!!
فضائلها رضي الله عنها
خير نساء الجنة :
لا شك أن امرأة بمثل هذه الصفات لا بد وأن يكون لها من الأفضال الكثير والكثير، والذي يعد في بعض الأحيان كنوع من رد الاعتبار لشخصها رضي الله عنها، فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يعلن في أكثر من مناسبة بأنها خير نساء الجنة، فيروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ("خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة
وفي رواية اخرى مفصلة: عن بن عباس قال: خط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأرض خطوطا أربعة، قال: "أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون". (
بل وجاء أيضا أنها رضي الله عنها من أفضل نساء العالمين، فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون".
ومن فوق سبع سموات.. يقرؤها ربها السلام:
ليس هذا فحسب ، بل يقرؤها المولى عز وجل السلام من فــوق سبـع سمـاوات، ويبشرهـا ببيت من قصب في الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب" (.
ويعلنها الرسول صراحة لزوجاته من بعدها.. إني قد رزقت حبها:
فكان حقا لهذه الطاهرة هذا الفضل وتلك المكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسمو على كل العلاقات، وتظل غرة في جبين التاريخ عامـة وتاريخ العلاقات الأسريـة خاصـة ؛ إذ لم يتنكَّر صلى الله عليه وسلم لهذه المرأة التي عاشت معه حلو الحياة ومرها، بل ويعلنها على الملأ وبعد وفاتها وفاء لها وردا لاعتبارها: "إني قد رزقت حبها".
فلم يفعل مثل آلاف الأزواج اليوم من محاباة أو مجاملة الزوجة الثانية بذم الزوجة الأولى، فما بالنا وإن كانت الأولى في عداد الموتى؟؟!! ولنترك الحديث للزوجة الثانية عائشة رضي الله عنها إذ تقول: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني قد رزقت حبها". (
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه صلى الله لم يكد ينساهــا طيلـة حياتـه وبعد وفاتهـا؛ إذ كـان يكثر ذكرها ويتصدق عليها، وتـروي أيضا السيدة عائشة رضي الله عنها فتقول: ( ما غرت على أحد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرت على خديجـة ، وما رأيتها ولكن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر ذكرهـا، وربما ذبح الشـاة ثـم يقطعهـا أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: "إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد". (
وقد وصل من وفائه -صلى الله عليه وسلم - لها أنه تعاهد بالبر لأصدقائها بعد وفاتها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتي بشيء قال: "اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة". (.
وأيضا تروي عائشة في ذلك فتقول:
جاءت عجوز إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عندي، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تُقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: "إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان")
فما أروع هذه الزيجة !! وما أروع هذين الزوجين !! وكأن الله خلقهما لتأتم بهما الدنيا كلها، ويأتم بهما كل زوجة وزوج يـريدان إصلاحـا وفلاحـا ، فهذا هو آدم في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه هي حواء في شخص السيدة خديجة رضي الله عنها ، وهذه هي الزيجـة الربانيـة .. كما أرادها الله وكما طبقها رسول .
خديجة.. نصير رسول الله..
هذه السمــة مـن أهم السمـات التي تُميز شخص السيدة خديجـة رضي الله عنها، تلك المرأة التي وهبت نفسها ومالها وكلّ ما ملكت لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم- ، ويكفي في ذلك أنها آمنت بالرسول وآزرته ونصرته في أحلك اللحظات التي قلما تجد فيها نصيرا أو مؤازرا أو معينا .. في أولى لحظات الرسالة..
فآمنت حين كفر الناس .. وصدقت حين كذّب الناس .. وواستـه بالأنس والمـال حيـن نفـر عنـه الناس .. تلك هي امرأة الشدائد؛ فكانت تمثل أعلى القيم الأخلاقية و الإيمانية تجاه زوجها - صلى الله عليه وسلم - فقدمت كل ما تملك..
لقد عاشت معه -صلى الله عليه وسلم- حلو الحياة ومرها، وكانت فيهما نعم الأنيس ونعم النصير، فقد كان شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- كزوج مثل غيره من الأزواج؛ إذ لم يكن محاطا من أهـوال الدنيا ومصائبهـا بسيـاج من الحمايـة أو الأمن أو الدعـة، فتـارة تحلو الحيـاة فنعم الحامدة الشاكرة هي، وتارة تكشر عن أنيابهـا وتبرز وجهها الآخر فكانت هي هي خديجة .. تؤازره .. تشاركه الهم .. تهون عليه .. تواسيه .. وتمسح عنه بكف من حنان كل الآلام والأحزان ..
فها هي تتلقى خبره الأول يوم بدء الوحي .. يوم أن جاء بكل غريب لم تسمعه أذن من قبل .. يوم أن جاء بما سمعه غيرها فقال هذا إفك مبين .. تلقته وكأنها رأت ما رآه -صلى الله عليه وسلم بأم عينها وسمعته بأم أذنها .. فقالت: ( ما كان كالماء الزلال في اليوم الصائف الهجير) كلا والله ما يخزيك الله أبداً... إنها تعلم الأسباب.. فلم تكفر العشير وإنَّ كُفر العشير لمن النساء بمكان ..
ثم هي رضي الله عنها تنتقل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حياة الراحة والاستقرار إلى حياة الدعوة والكفاح والجهاد والحصار، فلم يزدها ذلك إلا حبا لمحمد وحبا لدين محمد -صلى الله عليه وسلم - ، وتحديـا وإصـرارا على الـوقـوف بجانبـه والتفـاني في تحقيق أهدافـه ، فكانت هي خديجة.. امرأة الشدة.. امرأة المحنة..
فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع بني هاشم وبني عبد المطلب إلى شعاب مكة في عام المقاطعة، لم تتردد رضي الله عنها في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "لتشاركه أعباء ما يحمل من أمر الرسالـة الإلهيـة التي يحملها .. على الرغم من تقدمها بالسن ، فقد ناءت بأثقال الشيخوخة بهمة عالية وكأنه عاد إليها صباها، وأقامت في الشعب ثلاث سنين وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى".
وكأن الله اختصها بشخصها لتكون سندا وعونا للرسول - صلى الله عليه وسلم - في إبلاغ رسالة رب العالمين الخاتَمة، فكما اجتبى الله عز وجل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم واصطفاه من بين الخلق كافة، كذلك قدر له في مشوار حياته الأول لتأدية الرسالة العالمية من تضارعه أو على الأقل تشابهـه لتكون شريكـا له في حمل هذه الدعوة في مهدهـا الأول ، فآنستـه وآزرتـه وواستـه بنفسهـا ومالهـا في وقت كـان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أشد الاحتيـاج لتلك المواسـاة والمؤازرة والنصرة.
ومن خلال ملامح شخصيتهـا السابقـة هذه نستطيع - وبكل قوة - أن نصفهـا بملمح آخر يجمع و يعبر عن كامل شخصيتها، ألا وهو: خديجة.. الزوجة المثالية.. فهي بالفعل أم المؤمنين، وقدوة المؤمنات .. تلك التي جسّدت خلق المرأة المثالية في علاقتها مع زوجها من المودة والسكن .. والحبّ والوفاء .. والبذل والعـطاء .. وتحمل المحن واشدائد دون تأفف أو تضجر.. فليت ثم ليت نساء المسلمين يقفون أثرها .. ويحذون حذوها .. ويخطون خطاها.
تلك الزوجـة الصالحـة التي يمكن أن تـدفع زوجهـا إلى مـدارج الكمـال و مـراتـب العظمـة، فكمـا يقولون : "وراء كل عظيم امرأة" فتُرى ما دورها؟ لا شك أن دورها هو نفسه دور السيدة خديجة رضي الله عنها، تواسيه.. تخفِّف عنه.. تُشاركه آلامه وأحزانه.. تخفف عنه أعباء الحياة... تدفعه إلى البطولة والعظمة.
فالمرأة الصالحـة لا تقدَّر بثمن، وقد روي عـن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (وروي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك ) . وتلك كانت أهم صفات السيدة خديجة رضي الله عنها.
وفاتها رضي الله عنها
تاقت روح السيدة خديجـة رضي الله عنها إلى بارئها ، وكان ذلك قبل هجرتـه إلى المدينـة المنورة بثلاث سنوات، ولها من العمر خمس وستون سنـة ، وأنزلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه في حفرتها وأدخلها القبر بيده .
"ففي السنة العاشرة أول ذي القعدة وقيل" النصف من شوال" توفي أبو طالب، وكان عمره بضعا وثمانين سنة، ثم توفيت بعده خديجة بثلاثة أيام، وقيل بشهر، وقيل: كان بينهما شهر وخمسة أيام، وقيل: خمسون يوما، ودفنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجون، ولم تكن الصلاة على الجنائز يومئذ، وقيل: إنها ماتت قبل أبي طالب.
وكان عمرها خمسا وستين سنة، وكان مقامهـا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما تزوجها أربعا وعشرين سنة وستة أشهر، وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف.
وتشاء الأقدار أن يتزامن وقت وفاتهـا والعـام الذي توفي فيه أبو طالب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان أيضا يدفع عنه ويحميـه بجانب السيدة خديجـة رضي الله عنها ، فلقد حزن الرسول -صلى الله عليه و سلم- ذلك العام حزنا شديدا حتى سُمي بعام الحزن، وحتى خُـشى عليه - صلى الله عليه وسلم - ومكث فترة بعدها بلا زواج.
ومن أبلغ ما جاء في خديجة رضي الله عنها وأود أن أختم به هذه القصة وهذا الرباط المبارك ما ترويه عائشة رضي الله عنها إذ تقول:
" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكثر ذكر خديجة، فقالت له : ( لقد أخلفك الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين ، تقول عائشة : فتمعر وجهه - صلى الله عليه وسلم - تمعرا ما كنت أراه منه إلا عند نزول الوحي وإذا رأى المخيلة حتى يعلم أرحمة أو عذاب". (
وتقول أيضا:
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من الثناء عليها والاستغفار لها، فذكرها ذات يوم واحتملتني الغيرة إلى أن قلت : قد عوضك الله من كبيرة السن ، قالت : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضب غضبا سقط في جلدي ، فقلت في نفسي: اللهم إنك إن أذهبت عني غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أذكرها بسوء ما بقيت.
فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قد لقيت قال : "كيف قلت ؟! والله لقد آمنت بي إذ كفـر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبنـي الناس، ورزقـت مني الولد إذ حرمتيه مني ، فغدا بها علي وراح شهرا .
أسد الغابة،
المعجم الكبير
المستدرك على الصحيحين
الآحاد والمثاني
الحديث في صحيح البخاري
صحيح ابن حبان
مسند الطيالسي
الموضوع رقم الصفحة
مقدمه 2
بداية التعارف 3
الذرية الصالحة 4
إسلامها 4
خديجة..العفيفة الطاهرة 6
خديجة.. الحكيمة العاقلة.. 6
فضائلها رضي الله عنها 7
خديجة.. نصير رسول الله.. 9
وفاتها رضي الله عنها 10
المراجع 11
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق